البحث العلمي Scientific Research

مقترحات للتطوير الاكاديمي


مقترح للتطوير الأكاديمي

مقالي اليوم غير موجه الى طلبة الجامعات بالدرجة الأساس بقدر ما هو موجه الى وزارات التعليم العالي والبحث العلمي في الوطن العربي وكذلك الى وزارات التربية والتعليم كمقترح للنهوض بالواقع العلمي والبحثي والأكاديمي بشكل عام من رقدته التي استمرت منذ عقود. طبعاً الكلام قد لا ينطبق على كل الدول العربية ولا على كل جامعاتها فبعض تلك الدول وجامعاتها أصبحت بحق مثار فخر للعرب من حيث كمية ونوعية الخريجين والبحوث وترتيبها الدولي بين جامعات العالم وهذه الجامعات طبعاً يفترض ان تكون مثالاً يحتذى به وانما كلامي مع الجامعات العربية التي كانت في يوم من الأيام منار علم ومعرفة وقبلة للطلبة من الكثير من الدول ولكنها تحولت بين ليلة وضحاها الى أشلاء جامعات وأسماء خالية من المضمون واياها اعني هي والقائمين عليها والمسؤولين عن وضع مناهجها فأرجو ان تصل الرسالة ويتحقق الغرض.

لماذا تطوروا وتخلفنا؟

سؤال صغير يسأله لنفسه كل يوم ملايين العرب والمسلمين ولا احد يمتلك الإجابة الكاملة عنه فكل منا ينظر الى الموضوع من وجهة نظره الخاصة محاولاً إضفاء العمومية على ما يعتقد ويجعله هو السبب الأوحد وهذا خطأ كبير فالعالم الديني لا يستطيع ان يشخص أسباب كل شيء وانما يقتصر نظره الى الأمور المعنوية ويقصر في فهم الأمور المادية (الا ما ندر) وان كان لكل قاعدة شواذ الا ان الامر اعم من ان ينكر وكذلك فأن عالم الاجتماع وعالم الاقتصاد وعالم الفلسفة والتاريخ والتكنولوجيا والاحياء والنفس كل منهم له معرفة نسبية في هذا العالم تخص تخصصه فقط ولذا فحين يتحدث أي منهم عن جواب سؤالنا هذا فهو قطعاً يعني الإجابة عن الجزء الخاص به فقط حتى لو حاول ان يعمم ما يقول على كل التخصصات فهذا خطأ وعلينا ان نأخذ منه ما يبرع فيه فقط وما يخصه فقط ونترك الباقي للمختصين في بقية العلوم وهكذا.

هذه كانت مقدمة لابد منها لإكمال حديثي ولأقول باختصار انني انسان اكاديمي ولن استطيع ان اجيب عن السؤال أعلاه الا فيما يخص الواقع الاكاديمي وعلى قدر معرفتي ولذا فأنا لا امتلك الجواب الكامل للسؤال أعلاه كما لا يمتلكه أي شخص اخر غيري الا بمقدار تخصصه ومجال اهتمامه ومن هنا ادعوا المعنيين ممن يرون انهم أصحاب مسؤولية الرقي والارتقاء بالمجتمعات العربية والإسلامية الى ان يجمعوا اراء الجميع حين المحاولة للإجابة على سؤال كهذا للخروج بنتائج حقيقية ومفيدة وتعميمها في تقارير دورية او سنوية واعتقد ان هذه من مسؤولية وزارات ومؤسسات التخطيط واليكم جوابي فيما يخص تطور الجانب الاكاديمي الغربي وتخلفه في العالمين العربي والإسلامي:

في الغرب بصور عامة وفي اغلب الجامعات ان لم يكن كلها تجد الترابط الوثيق بين الاكاديمية والمصنع وبين الاكاديمية والشركة وبصورة عامة بين العلم والعمل أي انهم لا يتداولون العلوم ويطورونها لغرض نيل الشهادات (كما نفعل!) وانما يبحثون دوماً عما يسهل حياة الانسان ويزيد الأرباح ويطور الصناعة والزراعة والتجارة والمجتمع وكل شيء ويكون هذا هو أساس حركتهم وتطويرهم فنرى ان السيناريو الذي يحكم عمل الجامعة والمصنع بشكل متبادل كما يلي:

تقوم الشركة (س) بعمل استبيان رأي لزبائنها حول ما يرون انه يمكن ان يطور أداء الشركة ويفرح عملائها اكثر فتأتي النتائج التي قد يكون بعضها مثيراً للسخرية وبعيداً كل البعد عن الواقع ولكن كل هذه النتائج تؤخذ بعين الاعتبار وتقوم الشركة بتجميع النتائج وعمل دراسات حول اقربها للتنفيذ وخارطة الطريق لتنفيذ البقية ولو على المدى البعيد ثم تقوم الشركة بمخاطبة الجامعات والمؤسسات الاكاديمية والبحثية المرتبطة بها او بشكل عام لكل المؤسسات البحثية العالمية لاقتراح بحوث لتحقيق شيء مما أراده الزبائن مثلاً (او فكر فيه احد القائمين على التخطيط في تلك الشركة) وتخصيص مبلغ من المال كدعم للبحث في ذلك المجال فما يكون من المشرفين على البحوث الا ويقومون بتخصيص بعض من طلبتهم الباحثين للعمل على ذلك المشروع ولا يمر الوقت الا وقد تحقق للشركة ما ارادت فطورت انتاجها وافرحت الزبائن اكثر وجنت الأرباح اكثر واكثر وحصل الباحث على الدعم المالي لبحثه وحصل على شهادته التي تؤيد ابداعه العلمي وخدمته للعلم والناس وانتهت القصة والجميع سعداء.

من السيناريوهات الأخرى المحتملة في هذا المجال (وهي كثيرة جداً) ان يقوم باحث في اكاديمية ما باقتراح فكرة جديدة تماماً (ومن الأمور التي يجدر ذكرها هنا ان أساتذة جامعة هارفارد الامريكية يقولون لطلبتهم اننا لا نريد منكم ان تتخرجوا لتعملوا في شركة معينة او مصنع معين وانما نريد منكم ان يقوم كل منكم بأنشاء شركة خاصة او مصنع خاص بفكرة وعمل جديد تماماً! وطبعاً اغلب طلبتهم يحققون ذلك ومن امثلتهم بيل غيتس ومارك زاكربيرغ رغم انهما لم يكملا البكالوريوس!) وبعد ان يكمل الباحث فكرته ويثبتها مختبرياً وفي ظروف خاصة يقوم بعمل تقرير جدوى عن فائدة ما توصل اليه والارباح المتوقعة عند تطبيق فكرته ويعرض كل ذلك على الشركة المعنية او عدة شركات تتنافس فيما بينها على موضوع معين او منتج معين فيقوم بأقناع كل او بعض تلك الشركات بجدوى عمله وتبدأ العرض تنهال عليه من هذه الشركات فيختار أفضلها ويتعاقد معهم لإنجاز المشروع بحسب التطوير الذي اقترحه وهكذا.

الان ما الفائدة من كل هذا ونحن نعيش واقعاً مغايراً تماماً لكل ما لديهم وليس بإمكاننا الحصول على دعم مالي لبحوثنا ولا شركات لنعرض عليها ما نصل اليه ولا أي شيء مما يشابه هذه الأمور؟

الجواب على ذلك سيكون على عدة محاور اخوتي الكرام:

  • فيما يخص المناهج الاكاديمية التي تعاني عندنا التخلف والتحجر في بعض الأحيان فلا اعتقد ان تطويرها والنهوض بها صعب الى هذه الدرجة واليكم مقترحي للتطوير: يعلم البعض ان العالم اليوم قرية صغيرة وكل شيء في هذه القرية موجود على الانترنت ولذا فلو فكرت أي وزارة تعليم عالي وبحث علمي عربية بتوأمة جامعاتها مع أي جامعة أخرى فهذا سيكون من اسهل ما يكون حتى لو كان بدون اتفاقيات ولا عقود ولا أموال فبمجرد الدخول الى مواقع أي جامعة عالمية رصينة ومعرفة المناهج الدراسية والمواد الاكاديمية التي يدرسونها لأي اختصاص واستنساخ تلك التجربة في جامعاتنا سيغير الواقع كثيراً فالجامعات العالمية تضع في مواقعها الالكترونية مفردات مناهج كل مادة والكتب المنهجية والمحاضرات الملخصة (powerpoint slides) وكل ما يحتاجه المقرر للمنهاج والمدرس ليعطيه للطلبة فلم لا نحذو حذوهم ونسير على خطاهم ونتوقف عن الاستهلاك؟
  • ان الانترنت اليوم يزخر بمواقع اكاديمية وتعليمية تعتبر كنزاً علمياً يمكن من خلالها معرفة اخر ما درسه ويدرسه العالم اليوم وفي شتى التخصصات ومن هذه المواقع (https://www.edx.org/) و (https://www.coursera.org/) ومن خلال الدخول الى هذه المواقع والتسجيل فيها مجاناً طبعاً يستطيع القائم على وضع مفردات المناهج في الوزارة والتدريسي وكل من يهمه الأمور معرفة مفردات المناهج العالمية المعتمدة حالياً وتوحيد مناهجنا مع ما يدرسونه مما يزيد فرص انتاج وتداول معلومات اهم وافضل واحدث.
  • بخصوص البحث العلمي فأنا قد بينت في مقال سابق بعنوان (التوجهات البحثية لعام 2014) كيف يمكننا ان نوحد جهودنا البحثية مع اخر ما يبحث فيه العالم لنحقق نتائج ممتازة في بحوث مواكبة للتطورات العالمية.

لن ازيد على ما قلت ولكن أتمنى ان يشاركني كل من يقرأ هذا المقال في مسعى نشره وايصاله الى كل من يهمه الامر وأتمنى من طلبتنا الأعزاء ان يعتمدوا كثيراً على الموقعين المذكورين فهما كنوز علمية مجانية ويستطيع أي شخص ان يسجل فيهما ويقرأ ويمتحن (on line) للحصول على شهادات اكاديمية لتلك المناهج والله الموفق.

 

2 thoughts on “مقترحات للتطوير الاكاديمي

  1. الاستاذ الفاضل. شكرا لصدق النية التي يتلمسها كل من يقرأ المقال. وكما تفضلت فالمادة العلمية الحديثة متاحة الان ومجانا لمن يريد عن طريق المواقع التي ذكرتها وغيرها الكثير. والمشكلة في اصحاب القرار اذ انهم (لا يريدون). فقد اصبح قطاع التعليم أداة من أدوات الكسب السياسي لاصحاب القرار الهدف منه الاحتفاظ بالمنصب لاطول فترة ممكنة. وهناك نقطة اخرى وهي اهمالنا لتعلم آليات التفكير النقدي، فما زلنا نعتقد أن العلم هو مادة نحفظها عن ظهر قلب بدلا من أن نتعلم كيف نفكر خارج الصندوق كما يقولون. تحية لك ولمدونتك المضيئة.

    أعجبني

    1. شكراً جزيلاً اخي الكريم وانا اؤيد ما قلت حضرتك ولذا حاولت قدر الامكان ايصال المقال الى المعنيين بنشره في الجرائد والمجلات والمنتديات الالكترونية بل وانوي حتى اقامة ورشة عمل بهذا الخصوص في احدى الجامعات العراقية والله الموفق لكل خير
      نحن علينا العمل والنتيجة تبقى خاضعة للظروف والتوفيق الالهي وشكراً جزيلاً مرة اخرى للأهتمام والرأي الجميل

      أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s